الذهبي
780
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
بغداد وشرطتها في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، ثمّ نقله إلى الموصل ، وسلّم إِلَيْهِ ولده فَرُّوخ شاه الملقّب بالخفاجيّ ليربّيه ، ولهذا قِيلَ لَهُ أتابَك ، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ، واستولى عَلَى البلاد ، وقوي أمره ، وافتتح الرُّها في سنة تسعٍ وثلاثين ، وترقَّت بِهِ الحال إلى أن ملك الموصل ، وحلب ، وحماه ، وحمص ، وبَعْلَبَكّ ، ومدائن كثيرة يطول تَعْدادها ، وسار بجيشه إلى دمشق وحاصرها ، ثمّ استقرّ الحال عَلَى أن خُطب لَهُ بدمشق ، واسترجع عدَّةَ حصون من الفرنج ، مثل كَفرْطاب والمعرة والرها . وكان بطلًا ، شجاعًا ، صارمًا ، وقد نازَل قلعة جَعْبَر ، وصاحبها يومئذٍ عليّ بْن مالك ، فحاصرها ، وأشرف عَلَى أخْذها ، فأصبح يوم الأربعاء خامس ربيع الآخر مقتولًا ، قتله خادمه غيلة وهو نائم ، ودُفن بصِفّين عند الرَّقَّة ، وسار ولده الملك نور الدّين محمود ، فاستولى عَلَى حلب ، واستولى ولده الآخر سيف الدّين غازي أخو قُطب الدّين مَوْدود الأعرج عَلَى الموصل . قَالَ ابن الأثير : نزل أتابَك زنكيّ عَلَى حصن جَعْبر المُطل عَلَى الفُرات ، وقاتَله مَن بها ، فلمّا طال أرسل إلى صاحبها ابن مالك العُقيلي رسالة مَعَ الأمير حسّان المَنْبِجيّ ، لمودَّةٍ بينهما في معنى تسليمها ، ويبذل له الإقطاع والمال ، ويتهدّده إن لم يفعل ، فما أجاب ، فَقُتِلَ أتابَك بعد أيّام ، وثب عَلَيْهِ جماعة من مماليكه في اللّيل ، وهربوا إلى القلعة ، فدخلوها ، فصاح أهلها وفرحوا بقتله ، فدخل أصحابه إِلَيْهِ ، حدَّثني أَبِي ، عَنْ بعض خواصّه قَالَ : دخلت إِلَيْهِ في الحال وهو حيّ ، فظنّ أَنّى أريد قتْله ، فأشار إليَّ بإصبعه يستعطفني ، فقلت : يا مولانا مَن فعل هذا ؟ فلم يقدر عَلَى الكلام ، وفاضت نفسه . قَالَ : وكان حَسَن الصّورة ، أسمر ، مليح العينين ، قد وَخَطَه الشَّيْب ، وزاد عمره عَلَى السّتّين ، وكان صغيرًا لمّا قُتل أَبُوهُ ، وكان شديد الهَيْبة عَلَى عسكره ورعيّته ، وكانت البلاد خرابًا من الظُّلم ومجاورة الفرنج ، فعمَّرها . حكى لي والدي قَالَ : رأيت الموصل وأكثرها خراب ، بحيث يقف الْإِنْسَان قريب محلَّة الطّبّالين ، ويرى الجامع العتيق ، ودار السّلطان ، ولا يقدر